العقيدة الاسلامية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

العقيدة الاسلامية

مُساهمة من طرف ابو اسماعيل الجعفري في الخميس أبريل 09, 2009 11:28 am

بسم الله الرحمن الرحيم
من العقيدة لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي

موضوع الدرس : القوة الإدراكية : وهي بحاجة لعالم خارجي وداخلي ، بينهما قنوات – الحواس- محدودة.
بسم الله الرحمن الرحيم
العقيدة تعد من أصول الإسلام ، والإسلام فيه أصول وفروع ، فالفقه من الـفروع والعـقيدة من الأصول ، فإذا صحت العقيدة صح العمل ، وإذا فسدت العقيدة فسد العمل ، فإذا اعتقدت مثلاً أن الله تعالى قبض قبضة ، وقال : هذه إلى الجنة ولا أبالي ، وقبض قبضة : وقال هــذه إلـى النار ولا أبالي ، والقضية انتهت ، هذه العقيدة تثبط همة المؤمن فلهذا الحديث تفسير أيضاً.
فـالبحث في العقيدة مهم جداً ، بل هو خطير جداً ، وهذا لا يعني أنني لم أبحث موضوعات العقيدة خلال مدة طويلة ، بـل بحثنـاها مئـات المرات ، ولكن بمواضيع متفرقة في : الخطب ، والتفسير ، والحديث ، والسيرة ، وفي الدروس ، أما بحثها على شكل موضوعات متكاملة ومتتابعة فستبدأ الآن أول مرة.
* أولاً : وهي عبارة عن موضوعات تمهيدية في مصطلحات علم العقيدة ، وجاء في بعض الأحاديث الشريفة أنه من عرف نفسه عرف ربه ، فلنبدأ بالحديث عن النفس :
1- النفس .....هي التي بين جوانحنا ، والتي في الصدور ،
قال تعالي"وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" (13) (سورة الملك)

وعن هذه النفس التي هي ذات الإنسان نتعرف بها أن الإنسان مخلوق من نوع خاص ، فالكون كـلـه ، مــا فـي السماوات ، ومـا في الأرض مسخرٌ ، له فإذا كان الكون كله مسـخراً له فأيهمـا أكـرم عنـد الله ، الكـون بأكملـه أم هذا الإنسان الذي سّـخر لـه الكون بأكملـه ؟ فـالعقل يقول : المسخرُ له أكرم من الشـيء المسـخر ، فقال الله تعالى عن الإنسان :
"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (70) (سورة الإسراء)

وأيضاً :"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" (72) (سورة الأحزاب)
هذا الإنسان المكرم زوده الله بوسائل التكريم ، ومنها :
2- القوة الإدراكية : فـللإنـسان قوة إدراكية ، فالحائط ، والطاولة ، والأحجار ، والأشـجار هـذه الأشياء لا تدرك ، فالإنسان مميز ، ومفضل ، ومكرم بهذه القوة الإدراكية.
مثلاً : مجتمـع الـقرود منذ وجودهم على الأرض وحتى الآن ، هل طرأ على حياتهم تطور؟ فهل سكنوا في البيوت ؟ وهل اخترعـوا أجـهزة ؟ وهل نظموا مجتمعهم ؟ فالقرد هو القرد ، لم يتغير ولم يتبدل ، فالفرق الجوهري بين الإنسان والحيوان هو القوة الإدراكية .
3- الإدراك : فـالإنسان إذا عـطل إدراكـه عطـل إنسـانيته ، أي إذا عـطل إدراكـه جعل نفسـه فـي صف الحيوان ، وهذا قول لا يحتمل المناقشة لشدة وضوحه ، ولشدة تشعّب الموضوع ، فلْنَبْقَ في القـوة الإدراكـية التـي خصـهـا الله للإنـسان ، والتـي يتميز بها عن سائر المخلوقات ، ولاسيمـا الحيوان ، و لها مشكلة ، أنها عالة على العالم الخارجي والعالم الداخلي ، وهي مـن دون عالـم خـارجـي ، ومن دون عالم داخلي لا قيمة لها ، حيث تتعطل وظيفتها .
العـالم الخـارجي : الله تعالى جعـل لنـا نوافـذ تطل عليه ، فالبصر نافذة ، والشم ، والسمع ، والذوق ، والإحسـاس بالحرارة والبرودة ، وكذلك الضغط ، وجميع الأعصاب والحواس هي نوافـذ القوة الإدراكية على العالم الخارجي ، ولو تخيلنا أن إنساناً أوتي من الذكاء ما لم يؤت أحـد من العـالمين ، وكان كفيف البصر ، فهل يستطيع أن يعـرف الـلون الأحمر ، وما الفرق بينه وبين اللون الأخضر ؟ وأيهما أجمل الأزرق أم البنفسجي ؟ - فنرى أن كـلمة أحمـر - وأخضـر - وأزرق - وبنفسـجي ، وأبيـض وغيـره من هذه الكلمات لا معنى لـها إطلاقاً عندَ هذا الكفيف ، فهذه القوة الإدراكيـة تستعين بهذه النوافذ ، لذلك ربنا عز وجل قال:
"وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ "(171) (سورة البقرة)

إن القوة الإدراكية تحتاج إلى سمع ، وبصر ، وإلى نطق ، فما دام أي كائن أصم ، وأبكم ، وأعمى فهو لا يعقل ، وهنا نجد أن هذه الآية تشير إلى ذلك ، قال تعالى : "إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ" (22)
(سورة الأنفال)


فهذا الذي خُلق أصـم اسـألـه ؟ هل صـوت البلبل أعذب أم صوت الغراب ؟ فيقول لك : لا أعلم ، وما نوعه ؟ فهو لا يدري ، لأنه لم يسمع صوت البلبل ، ولا صـوت الغراب ، ولا الشلال ، ولا الرعد ، إذاً : مهما كان متميزاً بالذكاء ، والنـوافذ المطلة على العالم الخارجي مغلقة فـالإدراك منعـدم .
وشـيء آخر مهم جداً : وهو أن هذه الحواس خلقها الله سبحانه وتعالى بقدَر ، قال الله تعالى :
"إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" (49) (سورة القمر)
فإنـك عنـدمـا تريد شُـرب المـاء تـراه صـافياً نقيـاً ، فلو وضعت منه قطرة تحت المجهر لرأيت آلافاً ، بل مئات الألوف من الجراثيم والبكتريات والـعصيات ، إنك لو نظرت إلى قطرة الماء تحت المجهر لاستحال عليك شرب الماء ، فماذا تستنتج ؟ إن هذه القوة الإبصارية محدودة ، فإنك تستطيع أن ترى الأشياء على بُعد مائة متر ، أو مائتين ، ثم بعد ذلك لا ترى شيئاً ، كذلك طبيب العيون ، يضع لك لوحاً على بعد خمسة أمتار أو أكثر ، فترى فتحـات الـدوائـر الكبيرة ، حتى تصل إلى الـحلقات الصغيرة فتقول له : لا أعـرف ، ويضـع لـك عـلامـة 8/10 - 5/10 - 3/10 ، حيث إنك لا ترى أصغر من ذلك ، إذاً القوة الإبصارية لـها حدود قال تعالى:

وحدودها من تقدير عزيز ، عليم ، خبير، بصير ، حكيم ، ولو زادت قوة الإبصار أكثر من ذلك لما رأينا في الأرض جمالاً ، ولا رأينا وجهاً صبوحاً ، وبعـض الأمـاكـن في أنعـم جـلد بشـري تـرى جبـالاً ووديـاناً ونتوءات ، وعندما تم تـكبير أنعـم جـلـد بشـري تحت مجهر يكبر 300000 مرة كان المنظر لا يُحتمل ، فلو أن هذه العين كـانـت قـوة إبصـارهـا أكبـر ممـا هـي عليه لما كان في الأرض جمال ، ولا أحبَّ أحد أحداً ، فقوة الإبصار المحدودة تعتبر نعمة من نِعَم الله عز وجل .
الهواء مثلاً يحتوي على صور ، ومن يرى تـلك الصـور ؟ والـدليـل علـى ذلـك فـي أجهزة التلفزيون الذي يلتقط الصور التي لا تستطيع عيناك أن تراها .
والفضـاء مملوء بالصور ، فقوة الإبصار محدودة وكذلك الهواء مملوء بالأصوات.
فالبث الإذاعي في العالم العربي متعدد ، وكل هذه الإذاعات أمواجها الصوتية مبثوثة في الفضاء ، فجهاز المذياع يلتقط هذه الأصـوات ، أمـا الأذن فلا تستطيع ذلك ، وهذه من نِعم الله عز وجل ، فلو كان الـسمعُ غيرَ محـدود لسـمعت كـل الإذاعـات ، دون أن تـدخل إرادتك في أن تسمع ، أو لا تسمع أيَّ إذاعـة تبـث موجـاتـها الصـوتية ، لذلك فإن الله عـز وجـل مـن حكمته جعلنا لا نستطيع أن نسمع تلك الأمواج الصوتية ، فلنفرض مثلاً لـو كان هنـاك سـوق مليء بالضجيج ، أو كان كل شيء على وجه الأرض يسمعه الإنسان لكانت حيـاته مـستحيلة ، فتصـور أنـك تسمع أصوات أمواج البحر ، وكل محرك يعمل ، وكل انفجار ، وكل صـوت فـي الـكرة الأرضيـة ، مـن شمـالها إلى جنـوبها ، ومن شـرقـها إلى غـربها ، مهما دق ذلك الصوت ‍!!
ولـو تفكـرنا في ذلك لعرفنا حكمة الله ، ولعرفنا نعمته في جعل السمع لدينا محدوداً ، ولتبين لنا معنى الآية الكريمة :
"إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49"
فالموجة الصوتية عندما تضعف وتتلاشى ، هذه نعمة كبيرة لا تقدر بثمن .. الدليل : هناك موجة لا تتلاشى ... فهم بعثـوا مـركبة إلـى المشـتري تسـير بسرعة 40000كم في الساعة ، وهي أسرع مركبة صنعها الإنسـان ،وبقيـت فـي مسـيرهـا إلـى المشتري ست سنوات ، وهو أحد كواكب المجموعة الشمسية ، ومـع ذلـك مِن هناك بثت صوراً إلـى الأرض ، وهذه الصور بثت على شكل أمواج ، وهذه الأمواج بقيت على حـالتـها ، وسـعة المـوجـة لم تقل ، إذاً فإنّ الله قادر على خلق موجات تحافظ على سعتها ، ولـو أن المـوجـات الصـوتية التـي في الأرض بقيت محافظة على سعتها لأصبحت الحياة على وجه الأرض مستحيلة .
"إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" (49"
وهـكذا الســمع ، والبصـر ، والشـم ، فالشـم محـدود أيضـاً ، فـلو أن الإنسـان يشـم الروائـح الكريـهة لمســـافـات بعيـدة كرائحـة دابـة ميتة فـي بلد آخر لأصبحت الحياة في بلدك مستحيلة ، ولكن حكمة رب العالمين إذا كانت رائحة كريهة على بعد 200 م فإنها تنتهي ، وتتلاشى ، فـراكب السـيارة قد يشم رائحة كريهة في طريقه ، وبعد لحظات يبتعد عنها ، وتنتهي الرائحة ، إذاً هنـاك محـدودية للحواس ، فأول شيء للقوة الإدراكية تحتاج إلى نوافذ تطل على العالم الخارجي ، وهـذه النـوافـذ لحكمـة بالغة ، ولرحمة ، وخبرة بالغة جعلها الله محدودة ، ولكن ما دامت الحواس محدودة - كما تبين سابقاً - فهل ننكر الأشياء الغير محسوسة ، فمثلاً هناك أجهزة تطرد البعوض والذباب بواسطة أصوات يصدرها الجهـاز تزعج البعوض والذباب ، ولكن لا يسمعها الإنسان ، وتكون هذه الأصوات - دون عتبة السمع - كمـا أن هنــاك أجهـزة حـديثـة لـلقوارض تصـدر أصـواتاً لا يسمعها الإنسان ، ولكن القوارض تســمعها ، فـإذا سـمعتْه هـربتْ ، ويسـتخـدم فـي المستودعات ، فهذه الأصوات التي هي دون عتبة السـمع ، فهل يجـوز للعـاقل أن ينكـرهـا لعدم استماعه لها ، فتقول : إذاً إن الحواس محدودة لدى الإنسان ، وهـذه النقطـة هي التـي يجـب أن نصـل إليـها ، وقد قال عـلماء التوحيد : " عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود " .
وهنـاك أجهـزة تـلتقط الصور التي لا نراها ، فهل تستطيع أن تنكر ذلك ، فإذا قال أحد : إني لا أرى الله ، فأيـن هو ؟ فـتقول لـه : إنَّ هذا هو الغباء ، والجهل بعينه ، ذلـك لأن عـدم الوجـدان لا يعني عـدم الـوجود ، ولأن حواسنا محدودة لحكمة بالغة ، ونستنبط من ذلك أيضاً أن الشيء الذي لا نراه يمكن أن يكون موجوداً ، ويمكن أن يكون وجوده أخطر من وجودك أنت ، لكنك لا تراه.
ومـن ينكـر مثلاً أن هناك قوة جذب بيـن الأرض والشمس حسب قانون الجاذبية ، فهناك تجاذب بين الكتل المادية بحسب حجم الكتلة ، ومربع المسافة بينهما ، فكلما كبرت الكتلة زاد الجذب ، وكلما صغرت قلَّ الجذب .


عدل سابقا من قبل ابو اسماعيل الجعفري في الإثنين أبريل 13, 2009 5:21 am عدل 2 مرات
avatar
ابو اسماعيل الجعفري
عضو فعال
عضو فعال

عدد الرسائل : 156

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

2

مُساهمة من طرف ابو اسماعيل الجعفري في الخميس أبريل 09, 2009 11:45 am

فهل تسـتطيع أن ترى القوى التي تربط الأرض بالشمس ؟ طبعاً لا تراها ، إذاً فهل تنكرها أيضاً لا ، " فعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود " هذه إذاً حقيقة مسلَّم بها.
مثال : معلم أراد أن يـبث الإلحـاد بينَ طلابه فقال : نحن لم نشاهد الخالق ، فإذاً هو غير موجود ، فقام طفل ، وقال لهذا الأستاذ : نحن جميعاً لا نرى عقلك الذي تفكر به ، فإذاً أنت لا عقل لك ، إن قياساً على هذه القاعدة الواهية أن العقل لا يُرى ، ولكن نرى آثاره ، مثلاً إذا سار أحد الناس في الطريق بلا ثياب ، فأين عقله ؟ نقول : إنـه لا عقـل له ، والدليل تصرفاته ، فالعقل لا يُرى بالعين ، وهذا شـيء آخـر فـي الـقوة الإدراكية ،
و إنك تكوِّن بعض الحقائق من العالم الداخلي ، ذلك لأن النفس تغضب ، وتـخاف ، وترجو ، وتفرح ، وتحزن ، وتقلق ، وتستكبر ، هذه المشاعر يدركها الإنسان عن طريق العالم الداخلي ، وليـس عـن طريق العالم الخارجي ، إذاً هناك نوافذ داخلية ونوافذ خارجية ، كالبيوت مثلاً ، فقـد يـكون لـها نـوافـذ تطـل عـلـى ساحة البيت ، وهناك نوافذ تطل على الشارع ، كذلك الإنسان له نوافذ تطل على العالم الخارجي ، منها يكوِّن مدركاته ، وله نوافذ تطل على العالم الداخلي ، ومنها يكوّن أحاسيسه .
4-الخيــال: ما هو الخيال ؟ هو القدرة علـى التصور ، أحياناً يتصور الإنسان أن له بيتاً يطل على حديقة ، على جنبيها أشجار سرو ، وأشجار مثمرة متنوعة ، وهناك مسبح وورود ، وفـي الـحقيقـة لا يـوجد عنده شيء من ذلك ، فما هذا الخيال ؟ الخيال كما قلنا : هو القدرة على التصـور ، فـلو قلنـا لإنسـان : تخيـل أن لك بيتاً ، فإنـه يتخيل مسكناً له سقف ، وجدران ، وأرض ، فهل يسـتطيـع أن يتخيل غـير ذلـك ، وكـذلـك لـو قلنـا لـه : تصور حورية ، نصفها امرأة ، ونصفها سـمكة ، فـإنـه يسـتطيع تصور ذلـك ، لأنه يعرف المرأة ، ويعرف السمكة ، فيتصور ذلك ، فالسمكة موجودة ، والمرأة موجودة ، وحدد تصوره أنه جمع بين المرأة والسمكة ، فالخيال البشري لا يستطيع أن يتصوَّر شيئاً من لا شيء ، إنما يستطيـع أن يـتصوّر شيئاً من شيء ، فمثلاً من الممكن أن نتخيل شجرة لها أوراق ، وتحمل بدلَ الثمـار كـؤوساً من شراب التفاح مثلاً ، فالكؤوس موجودة ، وشراب التفاح مـوجود ، وأيضـاً لو تخيل أن حيــواناً طـولـه 30م ، فهناك حيوانات طولها 30م ، مثل الحوت ، والـخيـال فـي الـحقيقـة مـرتبط بالواقع ، فأحياناً يتصورون إنسانَ المريخ ، فلا يزيدون على أن له رأساً ، وجـذعاً ، ويديْن ، ورِجلين ، إلا أنـه قـد يغيـر مـوضع العينين ، أو يكبر الرأس قليلاً ، أو قد يغير في شكل الأيدي والأرجل ، فهل يستطيـع الإنـسان أن يتصور رجـلَ المـريخ من دون رأس ورجليـن ،
وهنـا تبرز نقطة هامة أيضاً ، إذا كنت لا تستطيع أن توجد صورة خيالية من لا شيء ، فكيف بإمكان الإنسان أن يتخيل الجنة ، وهو لم يرها ، فالخوض في الغيبيات ليس من العقل ، ففي الحديث القدسي عن الله عز وجل عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ :
((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) "
(صحيح البخاري)
فـالخيال يـجب ألاّ يجول في العالم الآخر ، وذلك لأن الخيال لا يأتي إلا لشيء من شيء ، أما من الجنة فلا نرى منها شيئاً ، وقد قال العلماء: " نحن نكتفي بعالم الغيب بالخبر الصادق الذي ورد في كتاب الله "
لا أقل من ذلك ولا أكثر ، فإذا كـنت عـاجـزاً عـن تخيـل الجنة فهل تستطيع أن تتخيل ذات الله عز وجل ، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((تفكروا في المخلوقات ولا تفكروا في الخالق فتهلكوا)) .
فــعقلك مـربـوط بـحواسـك ، وخيـالـك مرتبط بالواقع ، ولن تستطيع التجاوز ، وهذا الكلام يراد منه أن العقل أو الفكر البشري عندما يعجز عن الوصول إلى شيء فهذا لا يعني أن الشيء غير موجود ، ولكن العقل الذي وهبنا الله إياه له طاقة محدودة ، لحكمة بالغة أرادها الله عز وجل ، مثلاً : ميزان يزن 30 كغ ، تضع عليه سـيارة ، ينكسر ، ويتحطم ، فهل نقول : إن هذا الميزان ليس جيداً ، لا بل هو ميزان جيد ، ولكن مخَصَّص للأوزان التـي لا تـتجاوز 30 كغ ، وليس لسيارة ، مِن هذا المثـل يتضـح لـنا أن الإنسـان عندمـا يكلف عقله فوق طاقته ، ثم يخفق فالخطأ ليس في عقله ، بل في سوء اسـتخدام العقل ، لأن العقل مربوط بالواقع ، والواقع فيه زمان ومكان ، مثلاً يقال : إن هناك جريمة وقعت ، فنقول مباشرة : متى ، وأين ، فالعقل البشري ليس عنده إمكانية أن يتصور حدثاً إلا ولـه زمـان ومكـان ، ولـكـن الخـالـق ليـس كمثلـه شيء ، ولا يسأل عنه أين هو ، لأنه خالق المكان ، ولا يسـأل عنه : متـى كـان ، لأنه خـالق الـزمان ، فكلمة (متى) و(أين) في حق الله مستحيلة ، لأنه خالق الـزمان والـمكان ، فعدد السـنين هـذه مـن اختصـاصنـا نحن البشر ، أما بالنسبة لله فالزمان صفر ، لا يقيده زمان ولا مكان .
وشيء آخر ، فالكون غير محدود ولكن العقل لابد من أن يـكون محدوداً فأبعد مجرة توصلوا لها تبعد 18000 مليون ســنة ضوئية وقد يكـون هنـاك مـجرات أخـرى وبالنهايـة فالكـون غير محـدود ولكن العقل كيف يستطيع أن يدرك اللامحدود وهو الله عز وجل لذلك قال :"لايحيطون بشي من علمه الا بما شاء"

(سورة البقرة : من الآية 255)
ويقول الإمام الشافعي : ((إن للعقل حداً ينتهي إليه ، كما أن للبصر حداً ينتهي إليه))، والإمام الغزالي يقول : ((لا تستبعد أيها المتكلف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور قد يظهر فيه مالا يظهر في العقل)) .
ولـذلك فالـكرامـات مـوجـودة ، ولـكن الـعقل بصددها محدود الزمان والمكان ، فلا يمكن للعقل إدراكه ، ولكنه موجود ، مثلاً قال الله تعالى في كتابه العزيز:"قال الذي عنده علم من الكتاب انا اتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك فلما راه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني ااشكر ام اكفرومن شكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان الله غني كريم"
(سورة النمل)

أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ، هـذا عـن عـرش بلقيس فكيف يتصور العقل ذلك ، تصور أنك تريد أن تنقله ، فكم تستغرق من الوقت والجهد ومقدار الإمكانيات اللازمة لذلك ؟.
فهنـاك أشـياء مـوجـودة ، ولكـن العقـل محـدود ، فـالإنسان العاقل يعقل الحقائق التي ذكرناها سابقاً : " عـدم الـوجدان لا يدل على عدم الوجود" ، إذاً إن الفكـر البشـري محدود بالحواس ، والحواس محـدودة ، وخيـاله يمده من الواقع ، والواقع محـدود ، فـأنـَّى لـهذا الفكـر البشـري المـحـدود بالحواس ، والحـواس يحـدُّهـا الواقـع ، وأنـى لهذا الخيال البشري المحدود بالواقع ، والواقع مـحدود أن يـدرك الـلامحـدود ، إذاً معرفة الله لا تـكون إلا من معرفة آثاره فقط ، أمَّا معرفة ذاته فمستحيلة ، ومعرفة الذات كما لو وضعت ورقة رقيقة جداً في فرن لصهر الـحديد ، وقلت : ماذا حل بها ، فالإنسان عاجز عن معرفة ذات الله .
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ : ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أحـاديثه : ((إذا ذُكر القضاء والقدر فأمسكوا )) .
أي لا تبحثوا كثيراً في ذات الله عـز وجل وبعلمه فهو يعـلم بلا كيف وهذا اختصار للبحث فـي علـم الله الـذي لا يمكـن أن يدركه عقـل أي إن هنـاك أسئـلة خـطيرة فـي العـقيدة ينبغي أن نقف عندها ونقرأ : "قل هو الله احد * الله الصمد* لم يلد ولم يلد*ولم يكن له كفوا احد"

(سورة الإخلاص)
فهنـاك مـوضـوعـات مـن اختصـاص الـفكر البشـري ، وهناك موضوعات فوق الفكر البشري ، يجب عدم الخوض فيها أولاً ، وإذا عجز الفكر عن إدراكها فلا ينبغي أن ننكرها ، لأنه كما قلنا : " عـدم الـوجدان لا يدل على عدم الوجود ".
والخـلاصــــة : إن قوة الإدراك في الإنسان مما كرم الله الإنسان بها ؟. Arrow نلتقي الدرس القادم ان شاء الله تعالي باسم عالم الغيب والشهادة

والحمد لله رب العالمين .
avatar
ابو اسماعيل الجعفري
عضو فعال
عضو فعال

عدد الرسائل : 156

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: العقيدة الاسلامية

مُساهمة من طرف رضوانية حسنية في الجمعة أبريل 10, 2009 12:29 pm

الله
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل و سلم على سيدنا محمد النور و اله

بارك الله سيدي ابو اسماعيل و جزاك الله خيرا على المجهود الذي تبذه من اجل كتابة المواضيع و وقتك الذي تستقطعه لذلك حتى ينفع الله به فجزاك الله عنا اللللف خيرو لعله السبب في الاخطاء المطبعية الواردة في بعض الايات التي تنبهت لها اختنا امة الله نشكر لها غيرتها على كتاب الله و جزاك الله و جزاها خيرا
و ننتظر باقي الموضوع بفارغ الصبر لاننا في امس الحاجة له فجزاك الله خيرا و جعله في ميزان حسناتك Smile

رضوانية حسنية
عضو فعال
عضو فعال

عدد الرسائل : 173

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عالم الغيب والشهادة

مُساهمة من طرف ابو اسماعيل الجعفري في السبت أبريل 11, 2009 4:10 am

بسم الله الرحمن الرحيم
مع الدرس الثاني من دروس العقيدة :
الموضوع الثاني من مواضيع العقيدة أن العالم الذي خلقه الله عز وجل يقسـم قسمين :
- عالم غيبي .
- وعالم مشهود .
فكل شيء يقع تحت حواسنا فهو عالم مشهود ، كالمرئيات ، والمسموعات ، و المشمومات ، وكل شيء يقع تحت حواسنا الخمس ، أو تدركه حواسنا فهو عالم مشهود ، لكن هناك عالماً لا تدركه حواسنا ، ولكننا نستطيع أن نتبيّن أثره ، مثلاً :
* الكهرباء : لا نستـطيع أن نـرى الكـهرباء بـالعين ، لكن دوران المروحة ، وإضاءة المصباح أثر من آثار الكهرباء ، كذلك حرارة المدفأة الكهربائية أثر من آثار الكهرباء ، وكذلك المذياع والتلفاز ، فالكهرباء تبدو على شكل صوت ، أو حرارة ، أو على شكل تبريد ، أو صورة ، أو حركة ، فتقول : إن الكهرباء لا تستطيع حواسنا أن تدركها ، ولكننا ندرك آثارها ، وما دمنا قد أدركنا آثارها فإننا نحكم بوجودها ، وهناك أشياء موجودة لا تستطيع حواسنا إدراكها ، لكن آثارها دالة عليها .
وهذا عالم آخر غابت عنا ماهيته ، وظهرت لنا آثاره ، فنحن نحكمُ بوجوده ......
* مثل آخر : قطعتان من الحديد بقياس واحد ، وحجم واحد ، ووزن ، ولون ، وتشكيل واحد ، هذه العين لن تستطيع التفريق بينهما ، إحداهما مشحونة بقوة مغناطيسية ، والثانية غير مشحونة ، فإذا قربنا قطعة معدن صغيرة من القطعة المشحونة تجذبها ، إذاً نحكم بوجود قوة في القطعة الأولى ، ونحن بحواسنا الخمس لا نستطيع أن ندرك هذه القوة ، ولكن بجذب المعدن الصغير لها نستنتج أن في هذه القطعة قوة قطعية الثبوت ، ولكننا لا نستطيع بحواسنا الخمس أن ندركها ، إذاً فالعالَم عالَم مشهود ، وعالَم غيبي ، ووجود العالم الغيبي ليس أقل من وجود العالم المشهود ، بل ربما كان العام الغيبي أكثر وجوداً من العالم المشهود ، فالحيوانات تتعامل مع العالم المشهود ، لكن الإنسان بما أُوتي من فكر يستطيع أن يتعامل مع العالم الغيبي ، وقد قال ربنا عز وجل في كتابه العزيز :
"الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)"(سورة البقرة"
وذلك يعني أن الشيء الذي غاب عنهم يؤمنون به إيماناً يقينياً ، وأنت إذا رأيت غديراً ، فالماء يدل على الغدير ، والأقدام تدل على المسير ، أفسماءٌ ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، ألا تدُلاَّنِ على الحكيم الخبير ؟!.
إذاً هناك علم يُدعَى علماً يقينياً ، وهو علم استدلالي ، فأنت من أثر الشيء تستنتج وجوده ، فإذا رأيت مروحة تدور فهذا يقنعك بوجود الكهرباء فيها ، كم بالمائة ؟ الواقع هي 100 % ، يقين قطعي ، مع أنك لم ترها ، فإذا كنت تحكم بوجود الكهرباء قطعاً ، مع أنك لم ترها ، وإذا كنت تحكم بوجود القوة المغناطيسية قطعاً ، مع أنك لم ترها ، فالروح وهي أقرب شيء لنا من العالم الغيبي .
* فلو نظرت إلى ميت وزنه 73.5 كغ وقد خرجت منه الروح فلا يقل وزنه غراماً واحداً ، ولكنه كان يرى بعينه ، و يسمع بأذنه ، ويتحرك ، وينطق ، ويفكر ، ويفرح ، ويغضب ، وكان يتحرك ، إنساناً تحادثهُ ، وتجلس إليه ، وتؤنسهُ ، ويؤنسك ، وتسأله فيجيبك ، ويبثك همه ، وفرحه ، وأمله ، فإذا هو جثة هامدة لا يتحرك ، ولا يتكلم ، ولا يقنع ، ولا يرضى ، ولا يتألم ، ولا يستطيع أن يعمل شيئاً ، فما الذي ذكرناه آنفاً ، وما الذي فَقَدَه ؟ هو الروح ، فمَن منا يستطيع أن ينكر وجود الروح ، فلو أنكرنا وجود الروح لأنكرنا وجودنا ، ومع أن الروح موجودة بالبداهة في يقين كل منا ، فلا نستطيع أن نلمسها بيدنا ، ولا أن نراها ، ولا أن نسمع صوتها ، ولا نشمَّها ، لا صوت لها ، ولا رائحة ، ولا شكل ، ومع ذلك فهي موجودة ، فالعالم الغيبي الذي لا تراه عينك موجود قطعاً وجوداً حقيقياً ، أوله الروح ، إذاً العالم عالم مشهود ندركه بحواسنا الخمس ، وعالم غيبي ندركه بعقولنا ، فالإيمان بالله هو إيمان تحقيقي ، وتستطيع أن تصل إلى درجة من الإيمان اليقيني بالله عز وجل :
وعن عَامِرٍ أَوْ أَبِي عَامِرٍ أَوْ أَبِي مَالِكٍ ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَصْحَابُهُ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام فِي غَيْرِ صُورَتِهِ يَحْسِبُهُ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ ثُمَّ وَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِسْلامُ فَقَالَ أَنْ تُسْلِمَ وَجْهَكَ لِلَّهِ وَأَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ قَالَ فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ أَسْلَمْتُ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ مَا الإِيمَانُ قَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ وَالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنْتُ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ مَا الإِحْسَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ كُنْتَ لا تَرَاهُ فَهُوَ يَرَاكَ قَالَ فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ أَحْسَنْتُ)) .
(مسند الإمام أحمد)
ولشدة يقينك بوجوده كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، هذا الذي يجب أن نعرفه جميعاً ؛ أن الإيمان بالغيب لا يعني أن تؤمن بشيء احتمالُ وجوده قليلٌ ، لأن ذلك من ترهات الشياطين .
* مثلاً : يقولون : إن فلاناً غيبي ، أي يؤمن بالغيبيات ، فالملحدون ، والماديون ، والفجّار إذا أرادوا أن ينتقصوا من إنسان مؤمن قالوا عنه : غيبي ، يؤمن بالغيبيات ، ومع أن الإيمان بالغيب هو إيمان بوجود الإنسان ، وقد قال ديكارت كلمة : أنا أفكر فأنا موجود ، استنتج حقيقة وجوده من تفكيره ، فالإيمان بالغيبيات إيمان قوي ، وإيمان متين ، وإيمان عميق ، هذا الذي أحب أن أقوله بادئ ذي بدء ، وهذه نقطة هامة جداً .
وعندنا شيء ثالث : إذا كانت الروح شيئاً يستحيل علينا إدراك كنهها ، وإدراك كنه الكهرباء ، وإدراك كنه القوة المغناطيسية ، مع أننا جميعاً نوقن ، ونحكم بوجودها ، فما قولك بوجود الله سبحانه وتعالى ، فالكون كله دال عليه ،
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
فالمؤمن القوي يرى الله في كل شيء ، في الفواكه ، وفي كأس الماء ، وفي العصفور ، وفي حبة العنب ، وفي جسمه ، وسمعه ، وفي بصره ، وفي القمر ، والنجوم ، وفي السماوات ، و الأمطار ، والجبال ، و الصحارى ، و السهول ، وكل شيء ، وحيثما وقعت عيناه على شيء يرى الله مِن خلاله ، فيقول : من صممّهُ ؟ و كوّنهُ ؟ وخلقهُ ؟ وبرأه ؟ و صوّره ؟ ويتفكر الإنسان في تلك الأشياء التي حوله ليرى الله فيها ، وأحياناً الإنسان يتعامى عن حقائق كثيرة ..............
* مثلاً : معدن الرصاص من يفكر مثلاً بقيمته ، وبصيغته ، ومهمته ، فإذا أردنا أن نثبّت حديداً بحجر فما الطريقة ؟ وإذا كان لدينا سور حجر نريد أن نضع فوقه سور حديد ، فما كيفية تثبيت هذا الحديد بهذا الحجر ؟ إن الرصاص يذوب بدرجة مائة ، أيْ على موقد غاز عادي نضعه فيذوب ، يُصَبُّ في حفرة يوضع فيها وتدُ المعدن ، وبعد أن يبرد هذا المعدن فإنه من المستحيل أن تقلع السور الحديدي من الحجر ، ويحتاج الأمر إلى نشر الحديد بالمنشار ، فيما لو أُريد قلعه من مكانه ، والرصاص يتمدد عندما يبرد ، وكذلك حشوة الأسنان تستعمل من الرصاص ، لوجود هذه المادة الخاصة ، وهذا المعدن يعاكس المعادن في هذه الخاصة.
* طبيب الأسنان يحاول أن يحفر في السن حفرًا جانبية ، وعندما تبرد الحشوة ، وتتمدد ، وتدخل ضمن هذه الحُفَرِ ، وهذا معناه أن الكون كامل ، فما هذه الحكمة البالغة ‍‍‍!.


عدل سابقا من قبل ابو اسماعيل الجعفري في السبت أبريل 11, 2009 4:18 am عدل 1 مرات
avatar
ابو اسماعيل الجعفري
عضو فعال
عضو فعال

عدد الرسائل : 156

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

2

مُساهمة من طرف ابو اسماعيل الجعفري في السبت أبريل 11, 2009 4:17 am

* ومثل آخر يعرفه المهندسون ،وهو أن عامل تمدد الحديد يعادل عامل تمدد الإسمنت ، ولو اختلف هذا العامل لما بقي بناء على وجه الأرض ، فمن أعطى تلك الخاصية للحديد والإسمنت فتعادلا ؟.
* وكذلك الحديد له قوة تماسك ، وقوة دفع ، وقوة التماسك هذه يعبر عنها بالمتانة ، أي قوى الشد ، وقوى الدفع يعبَّر عنها بالقساوة ، فالإسمنت يتحمل قوى الضغط ، لكن الحديد يتحمل قوى الشد ، ويقال : هذا إسمنت مسلح ، أي إن الحديد يتحمل قوى الشد ، والإسمنت يتحمل قوى الضغط ، فمَن أعطى هذه المواد هذا التماسك ؟.
إذاً يجب أن نفكر في كل ما يحيط بنا ، والآيات التي تدور حولنا ، ونراها يجب أن نفكر فيها ، لأننا لو نظرنا إلى كل شيء لرأَيْنا الله فيه ، فالمؤمن يرى ما لا يراه الآخرون ، ويشعر بما لا يشعره الآخرون ، وهذه ميّزة المؤمن من غيره .
وهناك الإيمان بالأشياء الثانية ، مثل الإيمان بالملائكة ، والجنة ، والنار ، واليوم الآخر ، فإن الإيمان بتلك الأشياء وسيلةُ معرفتها الخبرُ الصادق فقط ، فالإيمان بالله عز وجل إيمان تحقيقي ، ولكن الإيمان بالملائكة إيمان تصديقي ، لأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا عنهم ، إذاً فالخبر الصادق وحده هو الدليل القاطع على وجود الملائكة ، والجن ، والجنة ، والنار ، وما إلى ذلك من عوالم الغيب البعيدة عن إدراك الحواس ، أي إن هناك أشياء نحسها بحواسنا ، هي عالم الشهادة ، وأشياء نحس آثارها بحواسنا ، و نستدل على وجودها بحواسنا ، كالروح ، والكهرباء ، والمغناطيس ، واللهُ سبحانه وتعالى ترى آثاره ؛ وهناك أشياء لا نستطيع أن نرى آثارها بحواسنا ، وهذه الأشياء طريقة معرفتها الخبر الصادق فقط ، إذا آمنت بالله إيماناً صحيحاً ، وأخبرك عن الجنة ، وعن النار، وعن الملائكة ، وأخبرك عن الجن ، و عن الشياطين ، فهذا هو الطريق الوحيد لمعرفة هذه الأشياء المغيبة عنا بكنهها وآثارها .
هناك أشياء عينها موجودة ، وهناك أشياء آثارها موجودة ، وهناك أشياء لا عينها ، ولا آثارها موجودة ، وهذه الأشياء تعرفها بالخبر الصادق .
* فالوحي : هو الطريق الوحيدة لتعريفنا بحقائق الأشياء الداخلة في عالم الغيب ...
الآن هناك أشياء يجب أن لا نتفاجأ بها لأن في عالم الغيب أيضاً قسمين:
- قسم استأثر الله بعلمه .
- وقسم يمكن أن ينتقل من عالَم الغيب إلى عالَم الشهادة .
فمَن منا يعرف وجه القمر الآخر ، فلما وصل العلماء إلى سطح القمر ، و هبطت المركبة على الوجه الآخر ، والتقطت صوراً له ، فهذا المكان انتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، وهناك أشياء كثيرة تنتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة حسب الاكتشافات العلمية ، والتقدم العلمي ، وهذا لا يمنع أن نفاجأ بكشفٍ من قبل من عالم الغيب ، فأصبح الآن في عالم الشهود قال الله تعالى :" هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22)الحشر
وقال أيضاً "اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (Cool عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) "الرعد. قد يكون هناك أشياء بالنسبة إلينا من عالم الغيب ، فالجن بالنسبة لنا من عالم الغيب ، فقد أخبرنا الله بوجوده ، أما الجن فبالنسبة لبعضهم هو مِن عالم الشهادة ، أي إن هناك أشياء إذا قيست بالنسبة للإنسان فهي مِن عالم الغيب ، وإذا قيست بالنسبة للجن فهي من عالم الشهود ، إذاً يمكن أن نقسم بحثنا إلى عالم مشهود ، وعالم غيبي ، فالعالَم الغيبي بعضه يمكن أن يصبح من عالم الشهود ، وبعضه مما استأثر الله بعلمه ، وهو ما سيكون ، أما الكائن فهو معروف ، وأمَّا ما سيكون فهو من العلم الذي لا يعلمه إلا الله ، قال تعالى :"قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65)النمل.
أي : مَن أتى كاهناً فصدقه فقد كفر ، لأن الكاهن حشر نفسه في مجال الله سبحانه وتعالى الذي استأثر به " عالم الغيب " ، بمعنى ما سيكون ، وهو ممّا لا يعلمه إلا الله ، فعَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)) .
(صحيح مسلم)
إذاً عالم الغيب بعضه يمكن أن ينتقل إلى عالم الشهود ، وبعضه الآخر مما استأثر الله بعلمه ولا يُطلِّع عليه أحداً إلا مَن اختارهم مِن بعض أنبيائه .
والحمد لله رب العالمين ونلتقي باذن الله الي الدرس الثالث بعنواناهمية العقيدة ودورها الخطير في حياة الانسان Arrow
avatar
ابو اسماعيل الجعفري
عضو فعال
عضو فعال

عدد الرسائل : 156

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: العقيدة الاسلامية

مُساهمة من طرف رضوانية حسنية في الأحد أبريل 12, 2009 11:53 am

الله
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل و سلم على سيدنا محمد النور و اله
بجد باااااااااااارك الله فيك و جزاك الله خيرا على هذا الموضوع جعله في ميزان حسناتك و كلنا منتظرين باقي الموضوع يا استاذنا Shocked

رضوانية حسنية
عضو فعال
عضو فعال

عدد الرسائل : 173

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: العقيدة الاسلامية

مُساهمة من طرف ابو اسماعيل الجعفري في الإثنين أبريل 13, 2009 4:52 am

جزاك ربي خيرا علي مرورك وتعليقك يارضوانية
avatar
ابو اسماعيل الجعفري
عضو فعال
عضو فعال

عدد الرسائل : 156

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أهمية العقيدة ودورها الخطير في حياة الإنسان

مُساهمة من طرف ابو اسماعيل الجعفري في الثلاثاء أبريل 14, 2009 4:11 am

مع الدرس الثالث في العقيدة .

أهمية العقيدة ودورها الخطير في حياة الإنسان : بادئ ذي بدء نتحدث عن الحيوان : فالحيوان تحكمه مجموعة من الدوافع والغرائز ، أي إن الله عز وجل خلق في الحيوان دافعاً نحو الطعام ، ألا وهو الجوع ، وخلق في الحيوان دافعاً نحو التناسل ، ألا وهو الجنس ، فالحيوان تحكمه مجموعة غرائز، ومجموعة دوافع ، لكن الله سبحانه وتعالى لأنه لم يكلفه ، ولم يقبل الأمانة ، ولم يتصدَّ لها ، جعل هذه الدوافع وتلك الغرائز منضبطة لمصلحته ، فالحيوان قلّما يمرض ، لأنه لا يأكل فوق حاجته أبداً ، والحيوان يشرب الماء مصاً ، ولا يعبه عباً ، فغريزته تأمره بهذه الطريقة ، قال الله تعالى : "قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)" سورة طه وقد سماها الأجانب غريزة ، وسماها الله سبحانه وتعالى هداية ، فالحيوان يقوم بأعمال بالغة التعقيد ، بشكل غريزي عفوي فطري ، من دون تعلم ، لأن الله زوده بدوافع ، وزوده بغرائز " واسمها الإسلامي هداية الله " .

* فالدافع نحو الأنثى في أكثر الحيوانات ليس دائماً - إلا في مواسم معينة لكي لا يضر نفسه، طعام من نوع واحد ، وكمية الطعام - ثابتة- .

* وهناك أحدهم كان مدعواً في أحد أحياء دمشق ، وكانت الدعوة على طعام اليقطيني ، فأكل يقطينة ، وشبع ، فدعَوْه ، وقالوا : تطييبًا لخاطرنا كُلْ هذه اليقطينة ، وترجُّوه لكي يأكل أكثر ، فأكلها حتى كاد ينفجر ، وبعدها ركب دابة ، وهو يمشي على الطريق كان هناك مكان ماء ، فوقفت دابتُه ، وشربت ، فقال لها : تطييبًا خاطري اشربي ، فلم تشرب ، فقال : واللهِ هذه الدابة أعقلُ مني ، وهكذا فالحيوان غريزته لها حدود ، وإذا كانت في الجنس ، أو الطعام ، أو الشراب فهي منضبطة لمصلحته ، فنرى الحيوان إذا مرض يدع الطعام ، والشراب من تلقاء نفسه ، فهو يعالج نفسه بحشائش يهديه الله إليها .

*وأحدهم راقب قطة مريضة ، فإذا هي تنطلق إلى حشيشة على طرف النهر ، فأكلتها ، وكان فيها الشفاء ، فالحيوان فيه مجموعة دوافع ، ومجموعة غرائز منضبطة فطرياً لمصلحته .

والإنسان : نوع آخر .. إنه نوع مكرم ، هو عبارة عن مجموعة دوافع سماها علماء النفس : حاجات .

* مثلاً: الحاجة إلى الطعام - والشراب - والجنس -و التكاثر - والحركة - والحاجة للشعور بالأهمية .

* مثلاً : لا يعرف حاجة الحركة إلا من قيّدت حركته ، فالإنسان به مجموعة حاجات ، قد تسمى دوافع - وغرائز - وشهوات - والأسماء كلها مؤداها واحد ، لكن هذه الحاجات - الغرائز - الشهوات - الدوافع عند الإنسان ليست منضبطة فطرياً ، لأن الله عز وجل أكرمه ، وأعطاه إرادة حرة و فكراً ، ولمَّا كان الإنسان مزوداً بفكر يهديه إلى الحق ، و مزوداً بحرية الاختيار ، ولحكمة بالغة فهذه الدوافع أو الغرائز والميول جعلها الله مفتوحة ، وليست محدودة فالإنسان يستطيع أن يأكل متى شاء ، وأن يتصل بالجنس الآخر في كل أشهر السنة ، لا كبعض الحيوانات ، والانضباط هنا يجب أن ينبع من قناعته ، ومن اختياره ، فالآن تبدأ خطورة الإنسان .

الحيوان يمضي حياته في طمأنينة ، وفي دعة ، وفي سلامة ، لأن عملية غرائزه منضبطة فطرياً ، فنلاحظ أن الطائر يشرب ، فلو عب الماء عباً لقتل نفسه بعد طيرانه ، والقطة تشرب الماء على دفعات ، والفرس تمص الماء مصاً ، فلو دققت الحيوانات في طعامها ، وشرابها ، وحركتها لرأيتها منضبطة انضباطاً فطرياً رائعاً ، حيث يحقق هذا الانضباط مصلحتها ، وسلامتها ، وطمأنينتها ، أما الإنسان فشهواته ، وغرائزه ، وميوله ليس لها حدود .

* فالوحش في الغابة إذا كان جائعاً يأكل فريسة ، وحينما يشعر بالشبع يكف عن افتراس الحيوانات الأخرى ، أما حب الإنسان للمال فليس له حدود ، فإذا غرق في الجنس قد ينتحر ، وانغماسه في الشهوات ، وحبه لجمع المال ، وحبه للاستعلاء ، يدفعه أن يستعلي على حياة الناس ، أو على حساب فقرهم ، وذلك لأن شهوات الإنسان غير منضبطة فطرياً ، فقد أوكل الله له ضبط هذه الشهوات ، وأعطاه وسائل الضبط ، فإذا أوكلت لإنسان أن يمسك لك المحاسبة ، فإنك سوف تعطيه وسائلها : دفاتر - وأقلاماً - وآلة حاسبة - ومعلومات يومية ، فلما أوكل ربنا عز وجل للإنسان ضبط هذه الشهوات ، والغرائز ، والحاجات ، والميولات أعطاه وسائلها- فوسائل هذا الضبط : فكر سليم ، وحرية اختيار ، وقد عبر عنها بعض العلماء بالإرادة الحرة ، والآن تأتي خطورة العقيدة من أن القناعة ، أو الفهم ، أو العقيدة هي التي تحرك هذه الطاقات ، وتلك الشهوات ، وتحرك السلوك ، فإذا كانت المفاهيم صحيحة كان السلوك صحيحاً ، وإذا كانت مغلوطة كان السلوك مغلوطاً ، وهذا الذي أحب أن أوضحه ، إذاً من أنت ؟ أنت مجموعة مفاهيم ، فإن كانت صحيحة عشت في حياة سعيدة ، وانتقلت إلى حياة أبدية ، ما هي المفاهيم ؟ .

أحياناً الطفل الصغير يتعامل مع أمه ، فأي امرأة يراها في صغره يقول : هذه أمي ، وهذه أول مرحلة ، فكل أنثى هي أمه ، وكل رجل هو أبوه ، وعندئذ ينتقل إلى مرحلة ثانية ، كل رجل عمه وكل أنثى خالته ، وبعد مرحلة يتكون عنده مفهوم أن المرأة كائن حي ، له خصائص معينة غير أمه ، وخالته ، وعمته ، و جارته ، فالمرأة لها مفهوم ، عنده فيقول : هذه امرأة ، وهذا رجل ، وهذه شجرة ، وتفاحة – وخروف – وجبل ، وهذه المرحلة اسمها انتقال الطفل من المحسوسات إلى المجردات ، من المجسدات إلى المفاهيم ، أول علامات النضوج يتعامل الطفل بالمفاهيم ، ثم يتكون لدى الطفل مفاهيم مركبة ، مثلاً إن النار تحرق – هذا المفهوم من خلال إحساسه بالنار إذا لمست يده المدفأة فاحترقت – فعرف أن النار تحرق – ومرة رأى النار لهيباً ، وأخرى رآها جمراً ، وأخرى مدفأة ترسل الحرارة ، فيتكون عنده مفهوم : هو أن النار تحرق هذا المفهوم يتوضح بخبراته العميقة ، فالآن إذا شاهد ناراً فإنه يبتعد عنها ، فلماذا ابتعد عن النار ؟ لأنه يملك مفهوماً مركباً أن النار تحرق ، وإذا قيل له : إن هذا الطعام النفيس سم فلا يأكله ، مع أنه جائع ، لأنه يكون لديه مفهوم أن السم قاتل ، وكل واحد منا عنده ملايين المفاهيم ، فالحديد قاسٍ ، والنار تحرق ، والعقرب تلدغ ، وهذا الحيوان مؤذٍ ، وهذا وديع – واللحم يؤكل – والقشر لا يؤكل ، وفي النهاية فمجموعة المفاهيم أساسها حسي ، ثم إدراك ، ثم مفهوم والإدراك هنا إن صح التعبير هو العقل ، قال الله تعالى :"أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" (46) سورة الحج


عدل سابقا من قبل ابو اسماعيل الجعفري في الثلاثاء أبريل 14, 2009 4:41 am عدل 2 مرات
avatar
ابو اسماعيل الجعفري
عضو فعال
عضو فعال

عدد الرسائل : 156

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

2

مُساهمة من طرف ابو اسماعيل الجعفري في الثلاثاء أبريل 14, 2009 4:15 am

وأول مرحلة إذاً إحساس ، فلو جئت بطفل رضيع عمره سنة ونصف ، ومر أمامه ثعبان كبير، فإنه يراه ، وتنطبع صورته على شبكيته ، لكنه لا يخاف منه ، لأنه لا يعرف ماذا يعني الثعبان ، ومفهوم الثعبان لم يتكون لديه ، وفي مرحلة لاحقة يتعلم ، أو يعرف عن الثعبان من المدرسة ، ويعلم أنه من الزواحف ، فيتعلمها تعليماً ، وقد يراها في حديقة حيوان ، أو يراها في زجاجة ، أو يأتي مكاناً ، فيتكون لديه مفهوم عن الثعبان ، بأنه من الزواحف ، ولَدْغتُه قاتلة ، والآن إذا شاهد ثعباناً فوراً يصيح ، ويرتعب ، ويركض لأنه صار عنده مفهوم ، وبعد أن كان إحساس هذا المفهوم هو الذي يحدد سلوكه ، هل هناك إنسان له فكر يرى ثعباناً ، ويبقى واقفاً ؟ فهذا مستحيل ، لأن المفهوم عنده أصبح واضحاً بأن هذا الحيوان مؤذٍ ، و لدْغتُه قاتلة ، فإما أن يقتله ، أو يهرب ولكنه في جميع الأحوال يضطرب ، وأحد أسباب اضطرابه وجود مفهوم عنده ، إذاً فما الذي يحرك سلوك الناس ؟ فهذه الأشياء التي ذكرناها عن الثعبان ، أو غير هذه أشياء واضحة لدى الناس ، مؤمنهم ، وكافرهم ، وغنيهم ، وفقيرهم ، يخاف من الثعبان ، فما الذي يحرك سلوك الناس ؟ فالإنسان عنده قناعة ثابتة أن إطلاق البصر يسبب قطيعة مع الله عز وجل ، وهذه القطيعة تجر له متاعب لا حصر لها ، فقد يفقد عينيه ، لذلك يغض بصره ، وهذا الذي غض بصره ينطلق من مفهوم صحيح ، وأما الذي يطلق بصره فينطلق من مفهوم آخر ، إذ يقول : إن هذه الحياة فترة محدودة ، فأنا إن لم أمارس كل حظوظي النفسية كنتُ إنسانًا غبيًّا ، فيجب أن أستغل هذه الحياة استمتاعاً لأقصى درجة ، وبكل شيء جميل ، فيطلق بصره على أشده إلى كل وجه حسن ، وهذا الرجل ينطلق من مفهوم ، والذي لا يطلق بصره ينطلق من مفهوم آخر .

* يأتي المرابي فيقول لك : أنا لا أجمد المال ، فهذا المال يجب أن ينمو ، فإذا أقرضتُه يجب أن آخذ على هذا المال فائدة ، وهذا المرابي ينطلق من مفهوم الربا ، ويأتي المؤمن فيقول : إن المال مال الله ، وهناك موت ، وبعد الموت حساب ، وهناك سعادة أبدية ، أو شقاء أبدي ، فيطيع الله عز وجل، ولهذا أؤكد لكم أنه ما من إنسان على وجه الأرض يتحرك أي حركة ؛ صالحة أو طالحة ، خيرة أو شريرة ، لمصلحته أو خلاف مصلحته إلا وينطلق من مفهوم ، وإذا استطعنا أن نصحح المفاهيم دخلنا الجنة ، فإنك أيها الإنسان إنما يحركك مفهوم فهذا المفهوم نسميه عقيدة ، ترسخ المفهوم ، وتعمق ، وانطلق إلى درجة تشبه الرؤية ، فإنه ينقلب إلى عقيدة ، فإذا صحت العقيدة صح العمل ، وإذا صح العمل سعد الإنسان في الدنيا والآخرة ‍! فأخطر شيء في الحياة هو العقيدة ، فهذا الذي يأكل الربا ، أو هذا الذي يتيح لنفسه أن يعمل ما يشاء ، أو أن يعتدي على أعراض الناس ، إنه ينطلق من مفهوم خاطئ تسرب إليه عن طريق إنسان مضل ، أما هذا الذي يرى أن هناك إلهاً عظيماً ، بيده كل شيء ، خَلَقَه في الدنيا ليسعد لحياة أبدية ، يدوم نعيمها ، تراه ينضبط ، إذاً الفرق الوحيد بين المؤمن وغير المؤمن هي هذه العقائد الصحيحة ، التي لا يملكها إلا المؤمن ، وتلك المفاهيم الخاطئة التي يملكها الكافر ، فإذا درسنا العقيدة الدينية فقد درسنا المحرك الذي يحركنا ، فالإنسان الذي يغش ينطلق من مفهوم أن عنده أولاداً ، والناس كلها تغش ، والغش مسموح به ، لأن الغش عامٌّ ، وأصبح عدم الغش صعباً ، ويقولون : إنه حلال على الشاطر ، فهذا الإنسان ينطلق من مجموع مفاهيم كلها خاطئة ، وعبارة عن ظنون وخرافات - ويأتي المؤمن ، فيرى أن هناك إلهاً عظيماً يطلّع على كل شيء ، فإذا استقام على أمره في معاملة الخلق بارك الله له في صحته ، وفي أهله ، وفي حاله ، وفي دنياه ، وفي شيخوخته ، وفي موته، وفي الجنة ، فعندما ترى رجلاً منحرفاً فتأكدْ أنه يحمل مفاهيم خاطئة ، أيْ عقائد خاطئة ، وإذا وجدت إنساناً مستقيماً فإن عقيدته صحيحة ، إذاً فأساس الاستقامة أنْ تملك عقيدة صحيحة .
وهناك إنسان فَهِمَ الآية الكريمة : "
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا " سورة الاحزاب وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ، أنه من الوقار ، فذلك يعني أن المرأة وقور ، لذلك أمر بناته ألا يخرجن من البيت ، قل لي ماذا تعتقد أقل لك من أنت ، فمِن هنا تبدو أهمية العقيدة ، فالعقيدة هي التي تحرك سلوكنا في حياتنا اليومية ، ففي حياتك الصحيحة إذا كان عندك قناعة معينة فبذل الجهد ضروري .

وهناك شخص يظن أنه كلما استراح كان أحسن ، فمن المصعد إلى السيارة ، إلى البيت ، والمكتب مكيّف ، فهو لا يتحرك حركة ، ويتفاجأ بمرضٍ في القلب ، أو مرضٍ في الشرايين ، ولكن متى تفاجأ ؟ بعْد فوات الأوان ، أما الذي يملك مفاهيم صحيحة ، أن القلب سلامته في بذل الجهد ، وفي الحركة ، وفي المشي ، وفي الرياضة ، وفي بذل الطاقة ، فهذا الذي يصون قلبه يملك مفهوماً صحيحاً إذاً أعدى أعداء الإنسان هو الجهل ، أو أن تمتلك مفاهيم خاطئة ؛ إنْ في بشأن الصحة ، أو بشأن العلاقات الاجتماعية ، يكون الخضري قد أخطأ معه بـ 25 ليرة فيبقى المشتري ساكتاً ، ويظن نفسه ذكياً بهذه العملية ، أما المؤمن فقد يكون قاطعاً عنه مسافة 30 كم بالسيارة ، فيرجع ويعطيه حقه ، فهناك ديَّان لا يغفل ، ولا ينام عن كل حركاتك ، وحساباتك ، وتصرفاتك ، وأعمالك ، وسلوكك ، وعاداتك .

*مثلاً : أحب أن أنام حتى الساعة التاسعة ، حتى أستريح ، فهذا يرى أن النوم شيء ثمين ، أما المؤمن فلديه مفهوم ، أن الحياة محدودة ، كلها أيام معدودة ، فمثلاً ساعة الصبح لا تعدلها أيَّة ساعة فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا)) .

(صحيح البخاري)

فرغم أنه قام متأخراً ينزع عنه اللحاف ، وينطلق من فراشه ، وحينئذٍ ينطبق عليه قوله تعالى:

"تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ" (16)سورة السجدة لو أن إنساناً يحب النوم ، ويرى إنساناً يستيقظ باكراً لاتَّهمه بالجنون ، وهذا الذي يحب أن يلقى الله عز وجل في صلاة الصبح ، أن يتصل به ، وأن يقف بين يديه يناجيه ، وأن يدعو ، وأن يقرأ القرآن في هذا الوقت المبارك ، يرى الناسَ النيام في هذا الوقت مجانين ، فالذي ينام ، ولا يصلي لماذا ينام ؟ لأنه ينطلق من مفهوم خاطئ ، وهذا الذي استيقظ لماذا استيقظ ؟ لأنه ينطلق من مفهوم صحيح ، إذاً لو استطعنا ألاّ نُدخل إلى عقولنا إلا المفاهيم الصحيحة لانتهت كل مشاكلنا وأمورنا ، فهذا الذي يكاد ينفجر حقداً أو غيظاً مَن الذي قهره ؟ مفاهيم مغلوطة ، المؤمن الموحد لا يرى مع الله أحداً ، يرى يد الله فوق أيديهم ، فهذا الذي ضربه يرى يد الله فوق هذه اليد ، هي التي أذنت ، والله عادل ، فالذنب ذنبي ، فترى المؤمن ليس عنده حقد لأحد ، لأنه يعلم علم اليقين أن كل شيء وقع لابد أن يقع أولاً ، ووقع وَفق العدالة الإلهية المطلقة ، والرحمة المطلقة ، واللطف ، والخبرة ، والعلم ، وهذا التقديم أردت منه أن أنبئكم أن الذي يملك العقيدة الصحيحة هو الذي يحقق السعادة الأبدية ، والذي ينطلق من عقائد زائغة أو مغلوطة يعيش حياة ضنكًا.

* مثل : رجل يقول : الله عز وجل لما يهدني ، وحتى يهديني أصلي ، فهذه عقيدة خطيرة جداً، وفاسدة ، فالله تعالى قد هداك ، وانتهى الأمر ، فخلق هذا الكون ، وهداك به ، ولم يبق لك إلا الإجابة .

* ومثلٌ آخر : يقولون : يذهب المطيع بين أرجل العاصي ، وهذه عقيدة فاسدة ، فهناك آية قرآنية تقول :
"مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا "(15) سورة الاسراء


عدل سابقا من قبل ابو اسماعيل الجعفري في الثلاثاء أبريل 14, 2009 4:42 am عدل 1 مرات
avatar
ابو اسماعيل الجعفري
عضو فعال
عضو فعال

عدد الرسائل : 156

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

3

مُساهمة من طرف ابو اسماعيل الجعفري في الثلاثاء أبريل 14, 2009 4:38 am

*ويقولون : نظر الولي الفلاني إلى فلان من الناس فهداه بتلك النظرة ، فهذه القصة غير صحيحة ، بل كاذبة ، لأن الله تعالى قال :
"إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (56)سورة القصصإِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ : وهذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
* رجل يقول لك : إنه سوف يأتيك دفعة أو أموال ولك عدو يترصدك ، وهذا كلام فارغ لأن الله تعالى قال :
"قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50) سورة الانعام لا يعلم الغيب إلا الله ، فإذا قرأ الإنسان القرآن صحَّتْ مفاهيمه .

* ويقال : هذا الرجل شاهد الجن ، فذلك كاذب ، لأن الله عز وجل قال
" يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ "(27)سورة الاعرافولذلك بعض المجتمعات الغربية يشعرون أن هناك حاجة ماسة إلى ما يسمى (الإيديولوجيات)، أي العقائد ، فالإنسان الغربي إنسان بلا عقيدة ، فليس عنده حلال وحرام ، ولا عنده قيم ، ويفعل ما بدا له ، ويحقق لذَّاته كلَّها دون أيِّ قيدٍ ، فعندما انعدمت القيود ضاع الإنسان ، ومبدأ اللذة نفسه انقلب إلى مبدأ الألم ، فالحقيقة عندما يطلق الإنسان لشهواته العنان ، أيْ من دون قيد ينتهي به الأمر إلى الشقاء ، ويشعر بتفاهته ، ولذلك فالعالم الغربي أدرك أن أخطر شيء يفت في عضد الناس هناك أنهم يفتقرون إلى عقيدة ، فتجد فيهم الوحشة ، لأنه لا يوجد هدف ، فالمرأة هناك تلد مثلاً خمسة أولاد ، وتنتظر من سنة إلى سنة لتتلقى من أحدهم بطاقة تهنئة بعيدِ ميلادها ، فقط من سنة إلى سنة ، أما الزيارة ، أيْ زيارة ابنها لها فذاك شيء مستحيل ، إنه مجتمع بلا عقيدة ، و نهايته الدمار ؛ والآن لدينا سؤال دقيق هو: كيف تنتقل هذه المفاهيم إلى مركزها في الحياة النفسية ؟ .



سابقاً أكدنا أننا أمام عالَم حسي – هذا العالم الحسي ندركه بحواسنا ، فبالعين نرى الشمس ، وبالآذان نسمع الأصوات ، وبالأنف نشم رائحة الأزهار – وبالجلد نحس بالحرارة ، فهناك أشياء موجودة ، فالحواس تنقل إليك ما في العالم الخارجي ، وهذا النقل المستمر ، وهذا الإدراك ينقلب إلى مفهوم ، وهذا المفهوم إذا ترسخ ينقلب إلى عقيدة ، وأول مصدر للعقيدة هو الأحاسيس المادية ، فنحن نعتقد أن النار تحرق ، وأن الماء سائل ، ومن خلال حواس الإنسان اليومية ترتكز مجموعة عقائد ، ولكن هذه العقائد مادية هناك طريق آخر للعقيدة ، هو الطريق الاستدلالي .

الطريق الاستدلالي : وهو عن طريق الأثر ، ففي طريق الأثر تعرف المؤثِّر ، ومن خلال الأقدام تعرف المسير ، ومن خلال الماء تعرف الغدير ، ومن خلال البعر تعرف البعير ، أفسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، ألاَ تَدُلاَّن على الحكيم الخبير ، إذاً أول الطريق للعقيدة هو حسي ، وأغلب الناس عندهم مجموعة مفاهيم صحيحة بدهية ، استنبطوها من حواسهم الخمس .

*أتسأل : أيهما أكبر ، أهذه الآلة أم هذه ؟ يقول لك : هذه الآلة ، لأنه شيء بدَهي ، وقيل : إن المُسَلَّمات (البدهيات) لا تحتاج إلى برهان ، لشدة وضوحها ، أما الطريق الثاني ، وهو طريق الإيمان بالغيب فقال تعالى :
"
الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)"سورة البقرة
* مثال : من خلال دوران المروحة عندك علم يقيني بأنه في أسلاك الكهرباء لهذه المروحة طاقة كهربائية ، والدليل حركة المروحة ، وعندك دليل يقيني يبلغ درجة يقينية 100% أن في هذه الأسلاك الأخرى طاقة كهربائية ، والدليل تألق المصابيح ، وأنه في هذه المسجلة بطارية ، والدليل حركتها من دون مأخذ كهربائي ، فاليقين قطعي ، فهناك كثير من الأشياء في حياتنا اليومية تبلغ درجة اليقين عن طريق الاستدلال ، فالشيء الذي تدركه حواسنا تعرفه عن طريق الحواس ، والشيء الذي لا تدركه الأبصار ، لكن له آثارٌ تدركها الحواس تعرفه من خلال آثاره ، فإذا شاهدت رجلاً ميتاً أمامه رجل يغسله ففي أيِّهما روح ؟ طبعاً ذلك الرجل الذي يغسل ، أما الذي يُغسَل فميت ، لا روح فيه ، والدليل حركة الغاسِل ، وثباته ، لذلك هناك أشياء ندركها بفكرنا عن طريق الآثار المادية لها ، أما إذا كان الشيء مغيباً عن حواسنا ، بذاته وآثاره ، فليس لمعرفته إلا طريق واحد ، وهو طريق الخبر الصادق ، إذاً للعقيدة ثلاث قنوات تغذيها :

1- قناة الحواس الخمس ، وما يتبعها من إدراك ومفهوم ثم عقيدة .

2- قناة الاستدلال الفكري ، وهذا الطريق لا يقلُّ في قوته وصحته عن الطريق الحسي ، إنك تقطع وتجزم بأن هناك إنساناً سارَ في هذا الطريق من خلال آثار أقدامه ، وأن الذي سار رجل ، أو امرأة ، أو صغير ، أو كبير - لأن اقتفاء الآثار عِلمٌ قائم بذاته .

3- أما إذا كان الشيء الذي تبحث عنه غائباً عنك ، وكانت آثاره أيضاً غائبة ، ولا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق الخبر الصادق فيكون عندنا إذاً : - إدراك حسي - واستدلالي – وخبر صادق .

فمن الاستدلال العقلي والإدراك الحسي وتصديق الأخبار الصادقة يتكون مجموعة مفاهيم ، وهذه المفاهيم مع التكرار والممارسة ، ومع الامتحان تنقلب إلى عقائد ، وبمعنى آخر إلى معقولات ، قال تعالى :
" أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) "سورة الحج*فأنت مثلاً : تحس صور الأشياء بالعين ، أما الإدراك فيعطى بالفكر ، إذ ندرك صورة الأفعى ، فإذا لُدِغتَ بالأفعى مرة تكون عندك تجربة مرة ، وعندئذ تعقل خطرها ، وتعقل أذاها ، فالإحساس صورة ، والإدراك فكرة ، أما العقل فتجربة ، أو رؤية ، وهو نوع من المعرفة لا يرقى إليها الشك إن صح التعبير ، وإذا بقي الشيء في الإحساس فيعني ذلك أن العين رأته ، أما إذا بقي ، ووصل إلى الدماغ فأدركَهُ ، أحست العين به ، وأدركه الدماغ ، وعَقَلَهُ القلب ، وإذا وصل شيء إلى القلب فهذا أعلى درجات المعرفة ، عندنا أحياناً مجموعة الأفكار ، ومجموعة المعتقدات يمكن أن تصنف ثلاث درجات : 1- مرتبة اليقين ، 2- مرتبة الظن ، 3- مرتبة الشك .

وهناك أشياء مشكوك بها ، وأشياء يغلب الظن أنها صحيحة ، وأشياء يقطع بأنها يقينية ، فإذا كان ربنا عز وجل قال مثلاً :
"
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)"سورة المائدة يوجد نص صريح واضح محكَم ، لا سبيل إلى إنكاره في قضية لست متأكداً من صحتها ، هناك موضوعات في الفقه ، مثل هل يجوز تحديد النسل والقلب ، أو لا يجوز ، فهناك علماء استنبطوا هذا من آية معينة ، وهناك علماء رفضوا ذلك ، وهذا موضوع لما يُقطع به ، أما إذا حكى أحدهم لك عن الجن ، وقال لك : اكتب هذه الكلمة ، وضعها في كأس ماء ، واشربها تفهم الكتاب فوراً ، وتأخذ العلامة التامة ، وتنجح فهذه خرافة ، وأحدهم يأخذ حجاباً ، ويحمله ليفهم كتاب الفيزياء وحده ، وهناك أشياء في مستوى الخرافات ، و أشياء في مستوى الأفكار القابلة للتصديق ، وأشياء في مستوى اليقينيات.

إن شاء الله في درس قادم نتابع موضوع العقيدة على مستوى أن هذا الخبر كيف يكون صادقاً، وما مقياس صدقه ، وربما نبني مجموعة كبيرة من عقائدنا على الأفكار الصادقة التي أخبرنا بها كتاب الله عزّ وجل وأخبرنا بها النبي عليه الصلاة والسلام ، ففي العقيدة قسم تحقيقي ، وقسم تصديقي ، التحقيقي نفي الأخبار الكاذبة عن التحقق الذاتي :
" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) "سورة البقرة
فالتفكُر هو التحقق والإيمان Arrow
avatar
ابو اسماعيل الجعفري
عضو فعال
عضو فعال

عدد الرسائل : 156

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: العقيدة الاسلامية

مُساهمة من طرف رضوانية حسنية في الثلاثاء أبريل 14, 2009 11:38 am

الله
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل و سلم على سيدنا محمد النور و اله

والله يا سيدي ان فضل الله عليك كبير ان هداك ووفقك لهذا الموضوع فلك فيه من الاجر باذنه ما يعلمه الا هو فجزاك الله خيرا و جعله في ميزان حسناتك و في انتظار المزيد استاذنا bounce

رضوانية حسنية
عضو فعال
عضو فعال

عدد الرسائل : 173

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

موضوع الدرس: اليقين الإخباري ( الخبر الصحيح ) .

مُساهمة من طرف ابو اسماعيل الجعفري في الأحد أبريل 19, 2009 6:37 am

بسم الله الرحمن الرحيم
قد بينت سابقاً أن الإنسان حينما يتحرك في الحياة ، حينما يفعل هذا الشيء أو لا يفعله وبكلمة أخرى مواقفة ! الإنسان بحقيقته مجموعة مواقف ، يقف من هذا الموضوع موقفاً معادياً ، و يقف من هذا الموضوع موقفاً مؤيداً ، يمارس هذا الشيء ، ويمتنع عنه ، هذه المواقف المتعددة المتنوعة المتباينة ماالذي يتحكم فيها ؟ وماالذي يحكمها ويسيرها ويفرضها ؟ شيء واحد خطير جداً في مصطلح الفقهاء ، إنها العقيدة في راحة تامة ، وفي مصطلح علماء النفس : هي المفاهيم ، فإذا سرتم في الطريق وأنتم تركبون سيارة فقد ترون إنساناً يجري في الطريق وقد يكون هذا يلبس ثياباً خفيفة ، ماالذي يجعله يجري ؟ حيث الجو البارد لا يتوافق مع راحة الجسم فأن يبقى في الفراش ينعم بالدفء أوفق لهذا الجسم من أن يخرج وتجري ، ولماذا يجري ؟ لأن في أعماقه مفهوماً أن الجري يقوي القلب و يدفع عنه الآفات ، و يُليّن ويقوي العضلات ، و حسب تفكير بعض الناس يمده بالحياة ، إذاً هذا الذي يجري عنده مفهوم عن الجري هو الذي جعله يجري وهذا الذي يمتنع عن هذه الأكلة لماذا امتنع عنها ؟ لأن عنده قناعة أن هذا الطعام يفسد عليه حياته .

إذاً الذي تفعله أو الذي لا تفعله مواقفك في الحياة المتعددة المتباينة المتناقضة المنوعة، مواقف التأييد من موضوع معين ، ومواقف المعارضة ، والإقدام ، والإحجام ، والفعل ، ورد الفعل ، وعدم الفعل ، وهذا كله تحركه العقيدة ، فالمؤمن يقوم ويصلي وقد يمتنع عن شيء نهاه الله عنه وفي الدرس الماضي ذكرت لكم أن هذه العقيدة لها منافذ أو قنوات صحيحة تسلك منها الأفكار إلى هذه المنطقة العميقة في الإنسان والتي إن صح التعبير نسميها منطقة العقل وقد قال الله عز وجل :
"أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" (46) سورة الحج
فمنطقة العقل في الإنسان هي القلب وقد بيّنا في درس سابق أن هناك إحساساً وأن هناك إدراكاً وأن هناك مفهوماً وأن هناك عقلاً وأنت تحس أن الشمس ساطعة ، إذ تتأثر شبكية العين بالضوء الذي تصدره الشمس فينتقل هذا الإحساس إلى الدماغ ، والدماغ عنده ذاكرة ، وهذه الذاكرة تنبئه بأنَّ الشمس ساطعة وهذا ينتقل إلى المفهوم " ومفهوم الشمس عنده واضح " ثم ينتقل إلى المنطقة العميقة في الإنسان وهي العقل ولذلك حينما يسير في الصيف تحت أشعة الشمس المحرقة يأخذ معه مظلة أو يضع على رأسه ستراً ، إذ يخاف ضربة الشمس بحسب المفاهيم ، وفي الدرس الماضي تحدثت أن هناك يقيناً حسياً و يقيناً إخبارياً ويقيناً إستدلالياً

* فاليقين الحسي : شيء واضح جداً فحينما تحس أن هذه المدفأة مشتعلة " من حرارتها " تستيقن أنها مشتعلة .

* أما الاستدلالي : فهذا ينفرد بالإنسان ، لأن الحيوان يتعامل مع المحسوسات ، إذ يخاف بعينيه أما الإنسان المفكر فيخاف بفكره ، ولذلك فالطالب في أول أيلول يدرس رغم أنه لايوجد فحص ولا شيء يدعو للدراسة لكنه يتصوّر الإمتحان قبل سنة ويتصوّر الموقف العصيب وتوزيع الأسئلة ولا يدري كيف تأتي النتيجة السيئة عند الناس ، بتحطيم آماله - إذاً يدرس فدراسته مبنية على يقين استدلالي ، فالشيء الذي تبحث عنه إما أنه ظاهر لحواسك فيقينك به يقين إحساسي أو حسي وإما أنه غاب عنك وبقيت آثاره ، فإذا بقيت آثاره فاليقين به قطعي 100 % لكنه يقين استدلالي كما تستدل على أن في الأسلاك كهرباء من تألق المصباح ، وكما تستدل على أن في الأشرطة تياراً كهربائياً من حركة المروحة ، والإنسان فيه روح من حركته ، و أن لهذا الكون خالقاً عظيماً من آثاره ، فالإيمان بالله إيمان تحقيقي فالقناه الأولى يقين حسي عن طريق الحواس ، والقناة الثانية عن طريق الفكر ، والقناة الثالثة عن طريق الخبر الصادق الصحيح والخبر الصحيح عند المسلم يرقى إلى مرتبة اليقين بشرط أن يتحقق من صحته ، فالدرس اليوم عن القناة الثالثة التي تصل إلى منطقة العقيدة أو إلى القلب الذي هو مناط العقل والقلب هو الذي يحرك الإنسان نحو اتخاذ مواقف معينة من موضوعات معينة والإنسان عبارة عن مجموعة مواقف يعني لو أن أي إنسان على وجه الأرض يملك عقلاً لحقيقة الزنى كما ملكه سيدنا يوسف لأحجم كما أحجم ، و لو أن أي إنسان على وجه الأرض رأى من نِعم الله ومن كمالات الله مارأى النبي صلى الله عليه وسلم لحمد الله كما يحمد النبي ربه .

فالأزمة رؤية ! أما الفطرة فواحدة وهؤلاء البشر على تعددهم واختلاف مشاربهم ، وتنوع بيئاتهم وأصولهم وفروعهم وأجناسهم وعاداتهم وتقاليدهم إنهم جميعاً مفطورون فطرة واحدة ، فلو أُتيح لأشقى الناس أن يرى مارآه النبي صلى الله عليه وسلم لحَمِدَ الله حمده ، ولأحبَ الله حبه ، ولكان ورعاً ورعه ، ولعَمِلَ صالحات كما فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالأزمة كلها أزمة معرفة وأعدى أعداء الإنسان الجهل وخير أصدقائه المعرفة فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، وهؤلاء المتحدثون ، و الفُجّار ، والكفار ، والملحدون ، لو رأوا ما رأى المؤمنون لكانوا مثلهم، والفرق بينهم وبين المؤمنين هي الرؤية فإما أن تملك رؤية صحيحة وإما أن لاتملكها فإذا ملكت هذه الرؤية سعدت وأسعدت وإن لم تملكها شقيت وأشقيت

وعلى مستوى حياتنا الاجتماعية هذا الذي يأكل مالاً حراماً اغتصب مالاً لأيتام لو أيقن أن الله سبحانه وتعالى لابد من أن يدمره وماله ، لا يأكل هذا المال فالذي يأكل إذاً أعمى والذي لايأكل مبصر وقال الله عز وجل : " فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ " فأنا أقول دائماً أحب نفسك فإذا أحببتها تخاف عليها من العطب والهلاك وتسعى إلى سلامتها وتبتغي سعادتها ، وإذاً تستقيم على أمر الله فلو أنك أحببت نفسك حباً مبصراً لاستقمت على أمر الله فطرة الله التي فطر الناس عليها ،و نحن جميعاً لنا فطرة واحدة والخلافات بين البشر وبين الأفراد وبين الشعوب خلافات شكلية لاقيمة لها

" ياداوود ذّكر عبادي بإنعامي عليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها "

قانون : أخطر منطقة في الإنسان منطقة القلب الذي هو مناط العقيدة ، والاحساس ، وإدراك العقل ، والعقل الذي مناطه القلب هو الذي يحركه وهو الذي يجعلك تأكل أو لا تأكل ، وتمشي أو لا تمشي ، وتفعل أو لا تفعل ، وتقبض أو لا تقبض ، وتؤذي أو لا تؤذي ، فالذي يؤذي أعمى لا يرى أن لهذا الذي يؤذيه رباً لن يفلت من يده ، أما المبصر الذي يرى أن الله قادر على كل شيء ،وهو الوكيل الله وكيله وسوف يدفع الثمن باهظاً فالذي أرجوه وأرجو الله أن يتفضل به علينا هو هذه الرؤية الصحيحة إذا رأيت رؤية صحيحة حُلّت كل المشكلات وانتهى الأمر فإن كان في القلب عمى وقع الإنسان في متاهات لا نهاية لها ، وبعض الآيات التي تؤكد أن لهذه العقيدة الراسخة التي مناطها في القلب مسالك ومن هذه المسالك قوله تعالى:
"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (164) سورة البقرة.
نكمل ان شاء الله المرة القادمة
Arrow
avatar
ابو اسماعيل الجعفري
عضو فعال
عضو فعال

عدد الرسائل : 156

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: العقيدة الاسلامية

مُساهمة من طرف رضوانية حسنية في الإثنين أبريل 20, 2009 7:19 am

الله
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل و سلم علىسيدنا محمد النور و اله

اللهم حققنا بحقيقة لا اله الا الله حسا و معنا ظاهرا و باطنا و اجعلها اخر قولنا في هذه الداريا ارحم الراحمين

بارك الله فيك سيدي ابو اسماعيل جعله الله في ميزان حسناتك

رضوانية حسنية
عضو فعال
عضو فعال

عدد الرسائل : 173

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

من العقيدة لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي "مسالك العقيدة "

مُساهمة من طرف ابو اسماعيل الجعفري في الثلاثاء مايو 26, 2009 2:15 am

بسم الله الرحمن الرحيم



وصلنا في موضوع العقائد إلى أن هناك أسئلة ثلاثة لوتمكن الإنسان من الإجابة عنها إجابة صحيحة لحل لنا كل مشاكله ولسعد في الدنيا والآخرة .

* السؤال الأول : لماذا خلقنا الله عز وجل ؟ هذا أكبر سؤال لأنه ما من إنسان عاقل على وجه الأرض يعمل عملاً من دون هدف ، فما هو الهدف الكبير الذي خلقنا الله من أجله ، إذا أرسلك أبوك إلى بلد أجنبي من أجل أن تدرس ، وإذا عرفت الهدف من إرساله إليك والتفت إلى الدراسة حققت الهدف من هذه البعثة فرضيت وأرضيت وإذا أرسلك أبوك إلى بلد أجنبي من أجل الدراسة فظننت أنه أرسلك من أجل اللهو ، فقد شقيت وأشقيت ، ومعرفة الهدف الكبير من خلق الإنسان شيء مهم جداً ، لأن الناس يسعون في متاهات ويمشون في طرق مسدودة ، فما الطرق المسدودة ؟ أي طريق ينتهي بالموت ، طريق المال ، و الشهرة والعلو في الأرض وطريق الشهوات كلها تنتهي بالموت ، إذاً هذه الطرق المختلفة المتعددة التي يمشي فيها الناس كلها تنتهي بالموت ، وهذه الطرق كلها مسدودة : عش ماشئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ماشئت فإنك مجزي به .

* السؤال الثاني : أما وقد خلقنا على وجه هذه الأرض ، فما أثمن شيء فيها ؟ هذا السؤال له علاقة بالسؤال الأول ، إذا عرفت الهدف الذي خلقت من أجله ، تعرف ما أثمن شيء على وجه الأرض ، أي سؤالين لسؤال واحد ، وإذا عرفت لأي شيء خلقت ، وما أثمن شيء تفعله في الدنيا لاشك أنك تعرف إلى أين المصير ، هذه الأسئلة الثلاثة التي طرحتها في الدرس الماضي أحاول وبالله التوفيق توضيحها .

الله سبحانه وتعالى الذات الكاملة ، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم كان الله ولم يكن معه شيء . هذه " كان " تامة وليست ناقصة فهي لا تعني بأنه كان في الماضي بل إنه وُجِدَ ولا يزال ، اتق الله حيثما كنت بمعنى حيثما وجدت كان الله ولم يكن معه شيء ، والكون كله حادث وبمشيئة الله سبحانه وتعالى اقتضى خلق الكون فلماذا خلق الله هذا الكون ؟ لو لم تعرف لماذا خلق الله هذا الكون ، لو تأملت في ملكوت السماوات والأرض لعرفت لهذا الكون إلهاً عظيماً ، ابحث أنت عن هدف يليق بجلال الله عز وجل حينما يبنى بناء ضخم جداً أتظن أنه أُنشئ لِهدف سخيف ،إنه مزوّد بكل وسائل الراحة فلا يعقل أن يكون قد أنشئ لهدف سخيف لو لم تعرف ما الهدف ؟ فالكون ينبئك أن وراء خلقه هدفاً عظيماً ، والشيء الأساسي أن الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار ، ولا يرى بالحواس ولكن كل هذا الكون ، مجراته التي يقدرها العلماء الآن بمليون مليون وكل مجرة يقدر العلماء أن فيها مليون مليون نجم على حد تقريبي .

وأن من النجوم ما يزيد عن حجم شمسنا بملايين المرات ، وأن نجم قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما ، وأن مجرتنا التي نحن فيها يزيد طولها عن 150 ألف سنة ضوئية ، وأن بيننا وبين القمر ثانية ضوئية واحدة ، يعني هذا الكون يجسّد قدرة الله ، وعلمه ، يوخبرته وغناه عز وجل ، هذا الكون دليل على وجود خالق عظيم له أسماء حسنى فما قولك في هدف يليق بجلال الله عز وجل هل خلقنا ليعذبنا ؟ أمحتاج هو أن يعذبنا ؟ إذا عذبنا ماذا يستفيد ؟ حديث :

"عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فلا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ "

فهل يليق به أن يخلقنا ليعذبنا ؟ وهل يليق به أن يخلقنا عبثاً بلا هدف ؟ أيفعلها إنسان عاقل ؟ هل يليق به أن يخلق سماوات وأرضين ، ومجرات وكواكب ، وشمساً ، وقمراً ، ونجوماً ، وليلاً ونهاراً ، ثم تكون حياتنا قصيرة لا تزيد عن ستين سنة نصفها في الإعداد لها إلى أن يستطيع الإنسان الزواج والسكنى في بيت مستقل وتأمين حاجاته ، وتأمين دخل معقول، في الثلاثينات ، أو في الأربعينات ، الآن أصبح في الخامسة والخمسين فحصل له أزمة قلبية ، أيعقل أن يكون كل هذا الكون لأجل سنوات معدودة أيقبله عاقل ، لماذا خلقنا الله عز وجل ؟ لابد من هدف يتناسب مع كماله ، ولابد من هدف يتناسب مع جلاله ، ولابد من هدف يتناسب مع قوته هو القوي ، ولذلك فربنا عز وجل أجاب عن هذا السؤال في آيتين واضحتين وفي آيات كثيرة ، قبل أن يجيب نفى يتهمه به بعض الناس قال :"أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ" (115)
مستحيل خالق عظيم ، أي دولة تبني بناء يكلفها ثلاثة عشر ملياراً ويستغرق البناء عشرين سنة وبالأخير تأتي الأجهزة الحديثة فتهدمه وتخربه بلا سبب لماذا بنيتم هذا البناء ؟ لا لشيء ، أتفعلها دولة على وجه الأرض ؟ بناء ضخم يكلفها مئات الملايين مجهز بأحدث الأشياء من تدفئة وتبريد وتكييف وأثاث وبعد أن ينتهي يدمر لماذا ؟ " أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ " .

نفى الله أيضاً ما يتوهمه بعض الناس من أن الله عز وجل خلق الكون وهو يلعب :"وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ "(16)

"وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ "(27)
Arrow
avatar
ابو اسماعيل الجعفري
عضو فعال
عضو فعال

عدد الرسائل : 156

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

3

مُساهمة من طرف ابو اسماعيل الجعفري في الثلاثاء مايو 26, 2009 4:56 am

" وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27"
هذا ظن الكفار وحدهم ، أيعقل أن يخلق الإنسان ولا يسأل عن أعماله ؟ فالضعيف ضعيف ، والقوي قوي ، والغني غني ، والصحيح صحيح ، والمريض مريض وهكذا ..... ، هذا عمّر خمساً وثمانين سنة ، وثانٍ عاش ثماني عشرة سنة ، وثالث بقي ثلاثين سنة ، وآخر مات بحادث ولم يتزوج ولم يسكن في بيت ولم يهنأ بحياته ولم ير شيئاً ، والآخر أكل وشرب وعاش سنوات طويلة وتمتع بالصحة والطعام وتزوج ، فلماذا هذا يولد ابن غني وكل شيء متوفر لديه ؟ وهذا لايحصل قوت يومه ؟ لو لم يكن هناك دار آخرة وسؤال كبير ؟ هناك قوي ، و ضعيف ، و صحيح ، " في الحياة " قال تعالى : "أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)"القيامة.
خلقه غنياً ولايسأله عن هذا المال كيف جمعه وكيف أنفقه وخلقه فقيراً ولا يسأله لِمَ لم يصبر، ولِمَ لم يعرف " أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى " وربنا عز وجل نفى أن يخلق السموات والأرض إلا بالحق ، وأن يخلقها عبثاً ، وأن يكون بخلقها لاعباً ، وأن يخلقها سدىً ، و أن يهمل الإنسان ، هذا كله نفاه الله عز وجل وأثبت قوله تعالى : "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) "الذاريات.إذاً : الهدف هو العبادة فلو عرفنا معنى العبادة ، العبادة أن تعرفه فتطيعه فتسعد بقربه إنها ذات ثلاثة حدود الله عز وجل قال : العبادة هي الهدف من خلق الكون أو من خلق الإنسان والجن ، والعبادة أن تعرفه و تطيعه ، وتسعد بقربه ، وآية أوضح من هذه الآية" إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119"هود.
إذاً : فالإنسان مخلوق للسعادة ، ولاتظنو ذلك كلاماً بل هذه حقائق ، إذا عرفت أنك خلقت من أجل أن يسعدك الله عز وجل ، شعرت بالراحة ، والروح ، والتفاؤل ، و بأنك مكرم ، وأن الله عز وجل ، تفضل عليك بإيجادك ، وأن هناك نعمة هي نعمة الإيجاد ، وقد يقول قائل : الناس كلهم معذبون ، فهناك مجاعات ، وزلازل ، وفيضانات و شح ، وقح وقهر و حروب ، و براكين ، وصواعق ، والإجابة عن هذا السؤال : يا أستاذ تقول إن الله خلقنا لنسعد ونعبده ، ونعرفه ، ونطيعه ، ونسعد بقربه ، فهذا كلام جيد ومقبول يتناسب مع جلال الله ، هناك سؤال آخر : مابال الناس أشقياء ؟ أي على مستوى المادة الفقراء والمعذبون هم الأكثرون ، فالجواب أن السيارة لماذا صنعت ؟ من أجل أن تسير فما بال الشركة الصانعة قد زودتها بالمكابح أليست هذه تتناقض مع حركتها ؟ الجواب : إن \استعمال المكابح ضروري لسلامتها ، صنعت لتسير والمكبح يوقفها ولكنه يوقفها في الوقت المناسب من أجل أن لا تدمر صاحبها ، فكما أن الله سبحانه وتعالى خلقنا ليسعدنا من أجل هذه السعادة بالذات خلق الله عز وجل المصائب ، لمهمة ثانية تاه الإنسان عنها ، وضلَّ ، و تلهى بالدنيا فتأتي المصائب لتذكره بالمهمة الكبرى التي خلق من أجلها ، إذاً هذا ملخص كل مصيبة تقع على وجه الأرض :
يأَيُّهَا الَّذِينَ ءاَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)"التوبة
إما أن تنفروا وإما أن تعذبوا ، وأنت إما أن تحقق الهدف الذي خُلقت من أجله وإما أن يضّيق الله عليك حباً بك ، إذاً يجب أن نتيقن يقيناً قطعياً لاشك فيه أن نعمة الإيجاد نعمة كبرى، لأنه أوجدك كي يسعدك ، ولكن يأتي سؤال آخر أهي السعادة في الدنيا ؟ الجواب : نعم ولا.

الآن ندخل في موضوع ثانٍ : ربنا عز وجل خلق الخلائق كلها دفعة واحدة ، ما من شيء تقع عليه عينك إلا وقد خلقه الله عز وجل ، مع غيره في وقت واحد سماه العلماء عالم الأزل ، والله سبحانه وتعالى في هذا العالم عرض عليهم عطاءً غير محدود ولكن هذا العطاء غير المحدود الذي لا نهاية له والأبدي السرمدي الذي لا يوصف له ثمن ، يعني إما أن تقبل منصباً ليس له دخل محدود يعطى هذا المنصب صاحبه ، كالقضاة في بريطانيا شيكاً مفتوحاً أي رقم تكتبه تقبضه مهما كبر هذا الرقم تأخذه ، ولكن هذا المنصب الرفيع يحتاج إلى دراسة طويلة ، وإما أن ترضَى بقوت يومك من دون أن تكون مسؤولاً أو مكرماً ، أي هناك عرضان : عرضٍ مغرٍ جداً لكن يحتاج إلى جهد ومسؤولية ، فالطيار يقبض راتباً ضخماً جداً ولكن مقابل هذا الراتب الضخم جداً هو في الجو مسؤول وأية غلطة يرتكبها يموت هو والركاب معاً ، لكن هناك أعمال في الأرض راتبها محدود لأن صاحبها ليس مسؤولاً كمسؤولية الطيار ولا يقع في خطر لو سها كما يقع الطيار فربنا عز وجل عرض على الخلائق كلها عرضاً مغرياً : إنََّّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72"الاحزاب. لقد جرى العرض على الخلائق ، خَيَّرَها الله عز وجل بين أن تكون مخلوقات تسعد بالله سعادة محدودة ، لماذا هي محدودة ؟ مثل آخر : لو فرضنا أن أحدهم أبوه غني و هذا الأب يمكنه أن يطعم ابنه أطيب الأكل ويسكنه بقصر ، ويزوجه أجمل امرأة ، و أن يهيئ له طائرة خاصة ، وسيارة خاصة ، ويختاً في البحر خاصاً ، وينتهي هنا عطاء الأب ، لكن متعة العلم هذه تعطى أم تؤخذ ؟ هذه تؤخذ ، فلو أن ابن رجل مليونير طلب منه أبوه أن يجعله رئيساً لجامعة راقية يقول له هذه لا : هذه موهبة إنها متعة العلم فلابد أن تحصلها أنت ، ولذلك فربنا عز وجل يعطي عطاءً يتناسب مع طاقة احتمال هذا المعطى ، مثلاً أنت عندك عشرة إنش ماء وعندك نبتة صغيرة فلوأنك صببت هذا الماء عليها لسحقتها ولكن حينما تكبر وتقوى هذه النبتة تأخذ ماءاً كما تشاء .

أردت من هذا الكلام أن أوضح لكم أن الله سبحانه وتعالى عرض على الخلائق في علم الأزل عرضاً مغرياً جداً ، عرض أن يسعدوا سعادة أبدية سرمدية ليس له حدود مقابل أن يأتوا إلى الدنيا ، وفي الدنيا يجب أن يبذلوا من أجل أن يعطيهم عطاءً غير محدود ، لابد من أن يأتي هذا المخلوق إلى مكان وهذا المخلوق مزوّد بشهوات يزوده الله بشهوة المال ، و العلو، و الجنس ، هذه الشهوات يزود الله عز وجل هذا المخلوق بها ويأمره أن ينفذ منها ما يتوافق مع شرع الله عز وجل " فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)"الليل.
"وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)"النازعات
.

Arrow
avatar
ابو اسماعيل الجعفري
عضو فعال
عضو فعال

عدد الرسائل : 156

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى